فخر الدين الرازي

187

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

اعلم أن قوله : وَهذا كِتابٌ لا شك ان المراد هو القرآن وفائدة وصفه بأنه مبارك انه ثابت لا يتطرق اليه النسخ كما في الكتابين أو المراد انه كثير الخير والنفع . ثم قال : فَاتَّبِعُوهُ والمراد ظاهر . ثم قال : وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ اي لكي ترحموا . وفيه ثلاثة أقوال : قيل اتقوا مخالفته على رجاء الرحمة وقيل : اتقوا لترحموا اي ليكون الغرض بالتقوى رحمة اللّه وقيل : اتقوا لترحموا جزاء على التقوى . ثم قال تعالى : أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وفيه وجوه : الوجه الأول : قال الكسائي والفراء والتقدير : أنزلناه لئلا تقولوا ثم حذف الجار وحرف النفي كقوله : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [ النساء : 176 ] وقوله : رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ * [ النحل : 15 ] اي لئلا . والوجه الثاني : وهو قول البصريين معناه : أنزلناه كراهة ان تقولوا ولا يجيزون إضمار « لا » فإنه لا يجوز ان يقال : جئت ان أكرمك بمعني : ان لا أكرمك وقد ذكرنا تحقيق هذه المسألة في آخر سورة النساء . والوجه الثالث : قال الفراء : يجوز ان يكون « ان » متعلقة باتقوا والتأويل : واتقوا ان تقولوا انما انزل الكتاب . البحث الثاني : قوله : أَنْ تَقُولُوا خطاب لأهل مكة والمعنى : كراهة ان يقول أهل مكة انزل الكتاب وهو التوراة والإنجيل على طائفتين من قبلنا وهم اليهود والنصارى وَإِنْ كُنَّا « ان » هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية والأصل وانه كنا عن دراستهم لغافلين والمراد بهذه الآيات اثبات الحجة عليهم بانزال القرآن على محمد كي لا يقولوا يوم القيامة ان التوراة والإنجيلى انزلا على طائفتين من قبلنا وكنا غافلين عما فيهما فقطع اللّه عذرهم بانزال القرآن عليهم وقوله : وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ اي لا نعلم ما هي لان كتابهم ما كان بلغتنا ومعنى أو تقولوا لو انا انزل علينا الكتاب لكنا اهدى منهم مفسر للأول في أن معناه لئلا يقولوا ويحتجوا بذلك ثم بين تعالى قطع احتجاجهم بهذا وقال : فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وهو القرآن وما جاء به الرسول وَهُدىً وَرَحْمَةٌ . فان قيل : البينة والهدى واحد فما الفائدة في التكرير ؟ / قلنا : القرآن بينة فيما يعلم سمعا وهو هدى فيما يعلم سمعا وعقلا فلما اختلفت الفائدة صح هذا العطف وقد بينا ان معنى رَحْمَةٌ اي انه نعمة في الدين . ثم قال تعالى : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ والمراد تعظيم كفر من كذب بآيات اللّه وصدف عنها اي منع عنها لان الأول ضلال والثاني : منع عن الحق وإضلال . ثم قال تعالى : سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ وهو كقوله : الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ [ النحل : 88 ] . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 158 ] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ( 158 )